الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
144
نفحات القرآن
والأيدي مترادفة ، والسيوف متناصرة ، والبصائر نافذة والغرائم واحدة ، ألم يكونوا أرباباً في أقطار الأرضين ؟ وملوكاً على رقاب العالمين ؟ ! فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم ، حين وقعت الفرقة ، وتشتّت الألفة ، واختلفت الكلمة ، والأفئدة ، وتشعبوا مختلفين ، وتفرقوا متحاربين ، قد خلع اللَّه عنهم لباس كرامته ، وسلبهم غضارة نعمته ، وبقي قصص أخبارهم فيكم عبراً للمعتبرين » « 1 » . ويقول في خطبة أخرى : « وإنّ لكم في القرون السالفة لعبرة ! أين العمالقة وأبناء العمالقة ! اين الفراعنة وأبناء الفراعنة « 2 » ! اين أصحاب مدائن الرّس « 3 » الذين قتلوا النبيين ، واطفئوا سنن المرسلين ، وأحيوا سنن الجبارين ؟ اين الذين ساروا بالجيوش ، وهزموا الألوف ، وعسكروا العساكر ومدّنوا المدائن ؟ » « 4 » . كما أنّ الروايات الإسلامية أولت عناية كبيره لهذه المسألة ، واعتبرتها أحد المصادر المهمّة للمعرفة وبالأخصّ للمسائل الأخلاقية ، وتهذيب النفوس ، والالتفات إلى واقعيات الحياة . وقد جاء في رواية أنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عندما كان في طريقه مع عسكره إلى صفين وصل إلى مدينة ( ساباط ) ثم إلى مدينة ( بهرسير ) « 5 » ( المناطق التي كانت مركزاً لحكومة الساسانيين ) التفت أحد صحابته فجأة إلى آثار كسرى ( والملك الساساني
--> ( 1 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 192 ، ( الخطبة القاصعة ) . ( 2 ) . العمالقة : أقوام قوية ومتمكنة وجبارة وظالمة كانوا في شمال العراق ، وقد فتحوا « مصر » وحكموها لفترة فيعهد الفراعنة . ( 3 ) . يعتقد الكثير أنّ أصحاب الرس قوم سكنوا اليمامة جنوب الحجاز ، وكان لهم نبي باسم حنظلة ، وقال البعض أنّهم قوم شعيب ، ويعتقد بعض آخر أنّ مدنهم كانت بين الشام والحجاز ( يراجع التفسير الأمثل ، ذيل الآية 38 من سورة الفرقان ) . ( 4 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 182 . ( 5 ) . يقول البعض إنّها مشتقة من الأصل الفارسي أي ( بوارد شير ) أو ( دهار دشير ) وهي إحدى المدائن السبعة التيكانت تقع غرب نهر دجلة ( معجم البلدان ، ج 1 ، ص 515 ) .